الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
236
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
سماه العرب علم الحكل ( بضم الحاء المهملة وسكون الكاف ) قال العجاج وقيل ابنه رؤبة : لو أنني أوتيت علم الحكل * علم سليمان كلام النمل أو أنني عمّرت عمر الحسل * أو عمر نوح زمن الفطحل كنت رهين هرم أو قتل وعبر عن أصوات الطير بلفظ مَنْطِقَ تشبيها له بنطق الإنسان من حيث هو ذو دلالة لسليمان على ما في ضمائر الطير ، فحقيقة المنطق الصوت المشتمل على حروف تدل على معان . وضمير عُلِّمْنا - أُوتِينا مراد به نفسه ، جاء به على صيغة المتكلم المشارك ؛ إما لقصد التواضع كأنّ جماعة علموا وأوتوا وليس هو وحده كما تقدم في بعض احتمالات قوله تعالى آنفا : وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا [ النمل : 15 ] ، وإما لأنه المناسب لإظهار عظمة الملك ، وفي ذلك تهويل لأمر السلطان عند الرعية ، وقد يكون ذلك من مقتضى السياسة في بعض الأحوال كما أجاب معاوية عمر رضي اللّه عنهما حين لقيه في جند ( وأبهة ) ببلاد الشام فقال عمر لمعاوية « أكسرويّة يا معاوية ؟ فقال معاوية : إنا في بلاد من ثغور العدوّ فلا يرهبون إلا مثل هذا . فقال عمر : خدعة أريب أو اجتهاد مصيب لا آمرك ولا أنهاك » فترك الأمر لعهدة معاوية وما يتوسمه من أساليب سياسة الأقوام . والمراد ب كُلِّ شَيْءٍ كل شيء من الأشياء المهمة ففي كُلِّ شَيْءٍ عمومان عموم كُلِّ وعموم النكرة وكلاهما هنا عموم عرفي ، ف كُلِّ مستعملة في الكثرة و شَيْءٍ مستعمل في الأشياء المهمة مما له علاقة بمقام سليمان ، وهو كقوله تعالى فيما حكى عن أخبار الهدهد . وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [ النمل : 23 ] ، أي كثيرا من النفائس والأموال . وفي كل مقام يحمل على ما يناسب المتحدث عنه . والتأكيد في إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ بحرف التوكيد ولامه الذي هو في الأصل لام قسم وبضمير الفصل مقصود به تعظيم النعمة أداء للشكر عليها بالمستطاع من العبارة . و الْفَضْلُ : الزيادة من الخير والنفع . و الْمُبِينُ : الظاهر الواضح . [ 17 ] [ سورة النمل ( 27 ) : آية 17 ] وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 17 )